أبو حامد الغزالي

222

تهافت الفلاسفة

وليس يلزم مخالفتهم شرعا في شئ من هذه العلوم ، وإنما نخالفهم ، من جملة هذه العلوم ، في أربعة مسائل . الأولى : حكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات ، اقتران تلازم بالضرورة ، فليس في المقدور ، ولا في الإمكان ، إيجاد السبب دون المسبب ، ولا وجود المسبب دون السبب . الثانية : قولهم : إن النفوس الإنسانية جواهر قائمة بأنفسها ليست منطبعة في الجسم ، وإن معنى الموت ، انقطاع علاقتها عن البدن ، بانقطاع التدبير ، وإلا فهو قائم بنفسه ، في حال الموت ، وزعموا : أن ذلك عرف بالبرهان العقلي . الثالثة : قولهم : إن هذه النفوس ، يستحيل عليها العدم ، بل هي إذا وجدت فهي أبدية ، سرمدية ، لا يتصور فناؤها . الرابعة : قولهم : يستحيل ردّ هذه النفوس إلى الأجساد . * * * وإنما يلزم النزاع في الأولى ، من حيث أنه ينبنى عليها إثبات المعجزات ، الخارقة للعادة ، من قلب العصى ، ثعبانا ، وإحياء الموتى ، وشق القمر ، ومن جعل مجارى العادات لازمة لزوما ضروريا ، أحال جميع ذلك ، وأوّلوا ما في القرآن ؛ من إحياء الموتى ، وقالوا : أراد به ، إزالة موت الجهل ، بحياة العلم ؛ وأوّلوا تلقّف العصى ، سحر السحرة ، بإبطال الحجة الإلهية ، الظاهرة على يد موسى ، صلى اللّه عليه وسلم ، شبهات المنكرين ، وأما شق القمر ، فربما أنكروا وجوده ، وزعموا : أنه لم يتواتر . * * * ولم يثبت الفلاسفة من المعجزات الخارقة للعادات ، إلا ثلاثة أمور : أحدها : في القوة المتخيلة ، فإنهم زعموا : أنهم ، إذا استولت ، وقويت ، ولم تستغرقها الحواس بالاشتغال ، اطلعت على اللوح المحفوظ ، فانطبعت فيها صور الجزئيات ، الكائنة في المستقبل ، وذلك في اليقظة للأنبياء - صلوات اللّه عليهم - ولسائر الناس في النوم .